الأربعاء، 29 أكتوبر 2008

ايجاد المعنى في الآخر

كنت في محاضرة علم نفس، تناول المحاضر فيها فيما تناول بعض المشكلات الخاصة بالشخصية وكان من بينها ضعف الإرادة في التقدم في الحياة وعدم تحمل مسئوليتها وهو أمر يحدث نتيجة لضعف الدفع الذاتي أو قلة تقدير الذات والثقة بالنفس. وهذا يعني أن الإنسان لا يسع لنموه الشخصي، يسير مستسلماً لظروف الحياة ولروتينه اليومي دون إحداث أي تقدم في حياته أو في حياة الآخرين، منتظراً أن يحُدث تغييراً خارجياً في الظروف ينقذه من واقعه المأساوي. والحقيقة أن هذا التغيير الخارجي لن يأتي أبداً، فالتغيير يبدأ من داخل الإنسان نفسه وليس من خارجه.

ولكن، من أين يأتي الدفع الذاتي هذا الذي يٌقوي إرادة الإنسان في التقدم في حياته بل وأكثر من ذلك يعطيه رغبة قوية في الحياة بعد أن كان لا يجد لها معنى أو فائدة للحد الذي قد يوصله لتمني الموت – وما الفارق بين حياته هذه وموته، فكأنه يعيش ميتاً.
هل يكون هذا الدفع هو تحقيق النجاح الشخصي؟ وما هو هذا النجاح؟ وما فائدته وماذا بعده؟ هل يكون هذا الدفع الشخص المحبوب المنتظر؟ وماذا بعد الوصول إليه؟ وهل تتوقف حياتنا إلى حين الوصول إليه؟ وهل يكون هذا الدفع في المال وتحقيق الاحتياجات والرغبات المادية؟ وماذا بعد الوصول؟ لماذا يبني الإنسان نفسه؟ لماذا يتعلم ويدرس؟ لماذا يعمل؟ لماذا يتزوج؟ لماذا ينجب؟ لماذا يعيش؟ لماذا يستيقظ في كل صباح.

قال المحاضر أن في الأصل الإنسان أناني، وكنت أعارض هذا الرأي...

أستطيع أن أجزم بكل ما في من قوة أن الإنسان لن يجد الدفع الذاتي الحقيقي الذي يعطيه نعمة حب الحياة دون المرور بالآخر، صحيح أن الأنانية تطغي علينا جميعاً ولكنها ليست طبيعتنا، وكيف تكون طبيعتنا إذا كانت سعادتنا تكمن في الآخر؟ الأنانية ليست طبيعة الإنسان إنها غلاف من الصدأ كونه الزمن وتحته يكمن الإنسان الحقيقي. تحت هذا الغلاف، تحته فقط سنجد أعظم دافع للحياة، في الحياة من أجل آخر. آخر من العائلة، في الدراسة، في العمل، في الشارع... آخر أب، أم، أخ أو أخت، صديق، حبيب، ابن أو ابنة، زميل، آخر إنسان...

فما نفع دراستي إذا كانت لا تتطلع لإفادة آخراً في مكان ما، وما نفع عملي إذا كان لا يفيد آخرين؟ وأسئلة أخرى على نفس هذا المنوال تُعيدنا إلى نقطة واحدة:



الآخر
ففيه يكمن المعنى، كل المعنى.

وحينما يدرك الإنسان أن سعادته الحقيقية تكمن في الخروج من ذاته لملاقاة الآخر، يتغير العديد من الأشياء،
يصبح إنساناً منطلقاً،
لا تثقله همومه الشخصية كما كانت من قبل،
يهتم بشئون الآخر وهمومه،
يتولى مسئولية إنماء نفسه في سبيل إنماء عطاؤه، فالإنسان يحتاج أن يأخذ بنزيناً من المعرفة والحب حتى يستطيع بدوره أن يعطي- فيُحدث بذلك نوع من التوازن والإنصات لاحتياجاته الشخصية واحتياجات الآخر،
يصبح حراً،
لا ينتظر حدوث أمر في المستقبل يغير حياته بل يعيش الحاضر مُحدثاً فيه تساؤلات وتغيير يومي،
تتسع قدرته على العطاء وكأنه أصبح غنياً إذ فجأةً،
يُصبح أكثر تقديراً لنفسه،
يتحمل مسئولية حياته كاملةً واختياره أن يخرج من ذاته دونما مقابل- وفي ذلك صعوبة شديدة وفرح كبير

فحين يتحول نظر الإنسان من نفسه إلى الآخر،
لا يقلق الإنسان من مرور السنوات الواحدة تلو الأخري
لا يقلق من تكاثر الشعر الأبيض في رأسه
وتصبح سنواته وحياته وشعره الأبيض تقدمة حب في هيكل الآخر
ليتنا نستطيع أن نصل هناك

وليكن لنا رجاء

هناك 4 تعليقات:

Ensan Kadim يقول...

لا يقلق الإنسان من مرور السنوات الواحدة تلو الأخري
لا يقلق من تكاثر الشعر الأبيض في رأسه

لا تعد أهتماماته هدفاً بل وسائل للآخر
لا يقلق من فقدان ما أعتاد على وجوده
لا يخاف على وقته
لا يقلق من الضغوط
لا يقلق من التغيير
لا يخاف على حريه

ولكنه لا يضيه ذاته
لكنه يجعلها تقدمة

لكنها في النهاية تظل أكبر مخاطرة في التاريخ

كـاف يقول...

أكبر مخاطرة.. بدونها لا أمل لنا في الحياة

غير معرف يقول...

أيوه! ساعدتي في الآخر! إذاً عندما أبحث عن الآخر فأنا أبحث عن سعادتي إذاً أنا أناني:)
البيضة قبل الفرخة ولا الفرخة قبل البيضة؟ المهم، إن ادراك إن سعادتي تمر حتمياً بالآخر اكتشاف مهم! فالعالم واحد:) مش كده ولا إيه!!!

غير معرف يقول...

اتفق معكي تماماً فى وجة النظر التى تعرضينها عن هدف الحياة وعلاقتها بالاخر و لكن حقيقى اخشي جداً ان افاجأ انا و انت و من يؤمن و بعيش هذا المبدأ ان ير ى نفسة بعد مرور السنيين انه اضاع حياته من اجل الاخرين و لم يجد من الاخرين سواء ذكرى كما تناوبنى بعض الافكار حول تحملي مسؤولية الاخر للدرجة التى ايضاً اصل فيها فى عدم الرغبة فى الحياة لعدم ايجاد الحل او تقديم المساعدة لا استطيع الا ان اقول من يعيش من اجل الاخر فهو يمشي على حبل سرك الحياة الكل يبهر به واذا انتبه مرة للتصفيق وفقد انتباهه سقط وكان سقوطة عظيم ربنا يحميكي